يواجه وادي السيليكون انتقادات حادة بسبب انفصاله المتزايد عن الواقع، حيث يرى خبراء تيكبامين أن المبتكرين يتجاهلون احتياجات الناس الحقيقية لصالح تقنيات معقدة ومبهرة تقنياً فقط.
لماذا يعتقد خبراء التقنية أنهم اكتشفوا "العجلة" مجدداً؟
من المثير للاستغراب حقاً الاستماع إلى تقنيين يتحدثون بحماس مفرط عن اكتشافات يظنون أنهم أول من وصل إليها. أحد هؤلاء تحدث بذهول عن كيف أن المعرفة منظمة داخل اللغة، وذلك بفضل تجاربه مع نماذج اللغات الكبيرة.
الحقيقة أن هذه المفاهيم، مثل "البنيوية" التي أسسها العالم سوسير، معروفة في العلوم الإنسانية منذ أكثر من قرن. لكن الإفراط في استخدام تقنيات مثل شات جي بي تي (ChatGPT) جعل البعض يظن أنهم يعيدون اكتشاف بنية الفكر البشري من الصفر.
هذا السلوك يعكس فجوة معرفية كبيرة؛ فما يراه المهندس كاكتشاف ثوري، يراه الأكاديمي أو الشخص العادي كبديهية تم تغليفها ببرمجيات حديثة. وفقاً لتقرير تيكبامين، فإن هذا الانفصال يؤدي إلى تطوير أدوات لا تخدم غرضاً حقيقياً للمجتمع.
هل انفصل وادي السيليكون عن احتياجات المستخدمين الحقيقية؟
يتطلب اقتحام المشكلات التقنية غير المحلولة قدراً كبيراً من الجرأة، لكن في أحيان كثيرة، تتحول هذه الجرأة إلى غطرسة تقنية تعمي أصحابها عن الحقائق البديهية التي يعرفها الناس منذ زمن طويل.
نرى ذلك بوضوح عندما يندهش أقطاب التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك، من تعقيد حركة اليد البشرية. هذا التعقيد الذي يدرسه الجراحون والفنانون والموسيقيون كألفبائيات في تخصصاتهم، يُعامل في أروقة الشركات التقنية وكأنه سر كوني تم كشفه للتو.
ما هي أبرز الأمثلة على غطرسة المبتكرين في وادي السيليكون؟
هناك أمثلة صارخة على هذا الانفصال وثقتها التجارب التقنية الفاشلة في السنوات الأخيرة، ومن أبرزها:
- مشروع جوسيرو (Juicero): عصارة بقيمة 400 دولار تخرج عصيراً من أكياس مخصصة، بينما يمكن عصر هذه الأكياس يدوياً بنفس الكفاءة تماماً.
- إهمال الدراسات السابقة: ادعاء بعض المبتكرين عدم وجود دراسات تحليلية لمشاريع تقنية كبرى مثل "كمبيوتر محمول لكل طفل"، رغم وجود كتب كاملة تحلل فشلها ونجاحها.
- تجاهل العلوم الإنسانية: محاولة حل مشكلات اجتماعية معقدة عبر خوارزميات برمجية دون فهم السياق التاريخي أو الثقافي لهذه المشكلات.
لماذا يعيش رواد الأعمال في "صوامع" مغلقة؟
يبدو أن الكثير من رواد الأعمال في وادي السيليكون يعيشون في عزلة معرفية. فهم يفترضون أنهم الأذكى في الغرفة، وإذا لم يعرفوا حقيقة ما، فإنهم يفترضون تلقائياً أن لا أحد غيرهم يعرفها.
إن الحماس لاكتشاف شيء جديد هو محرك الابتكار، لكن افتراض أن ما هو جديد بالنسبة لك هو جديد على البشرية جمعاء يعكس حالة من الانغلاق. هذا الانغلاق هو ما يجعل الشركات تنفق المليارات على حلول لمشكلات غير موجودة، أو إعادة اختراع أدوات موجودة بالفعل بصورة أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة.
كيف يمكن للتقنية أن تعود لخدمة الإنسان العادي؟
في نهاية المطاف، يحتاج المبتكرون إلى العودة إلى الأرض وفهم تطلعات الناس العاديين. الابتكار الحقيقي ليس في اكتشاف البديهيات وتغليفها بالذكاء الاصطناعي، بل في تقديم حلول تجعل حياة البشر أسهل وأكثر كفاءة.
يجب على شركات التقنية أن تخرج من صوامعها وتستمع إلى المتخصصين في المجالات الأخرى، من أطباء وفنانين وعلماء اجتماع، لضمان أن يكون وادي السيليكون جزءاً من الحل وليس مجرد مصدر للضجيج التقني المنفصل عن الواقع.