يواجه العلماء أزمة بسبب انتشار أبحاث من إنتاج الذكاء الاصطناعي، مما يهدد مصداقية العلم ويزيد الضغط على نظام مراجعة الأقران بشكل غير مسبوق.
بدأت فصول هذه الأزمة عندما تلقى الباحث بيتر ديجين، وهو باحث في جامعة زيورخ، طلباً من مشرفه للتحقيق في ظاهرة غريبة تتعلق بأحد أبحاثه المنشورة في عام 2017. البحث الذي كان يحصل على بضع عشرات من الاقتباسات سنوياً، فجأة أصبح يُستشهد به مئات المرات وفي غضون أيام قليلة، مما وضعه ضمن أكثر الأوراق بحثاً في مسيرته المهنية. وبحسب تيكبامين، لم يكن هذا النجاح طبيعياً، بل كان نتاج آلة توليد ضخمة.
ما هو تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة الأبحاث العلمية؟
تعتمد هذه الأبحاث الوهمية على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحويل البيانات المتاحة إلى نتائج منسقة تبدو وكأنها دراسات رصينة. ومن أبرز المواضيع التي تم استهدفها:
- مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية لدى البالغين فوق سن العشرين.
- فرص الإصابة بسرطان الخصية بين الشباب.
- احتمالات تعرض كبار السن للسقوط في مناطق معينة.
- العلاقة بين نقص تناول الحبوب الكاملة وسرطان القولون والمستقيم.
وعلى الرغم من المظهر المنظم لهذه الدراسات، إلا أن الباحثين الذين فحصوا عينات منها، خاصة في مجال الصداع، وجدوا أنها تعج بالأخطاء المنهجية، وتحريف البيانات، والنتائج غير المنطقية التي قد تضلل الأطباء والباحثين الآخرين.
كيف تعمل "مصانع الأوراق العلمية" المدعومة بالذكاء الاصطناعي؟
قاد البحث ديجين إلى منصة بيلي بيلي الصينية، حيث اكتشف شركات في مدينة غوانزو تقدم دروساً تعليمية حول كيفية إنتاج بحث علمي قابل للنشر في أقل من ساعتين فقط. تستخدم هذه الشركات أدوات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم المزايا التالية:
- كتابة المحتوى الأكاديمي بلغة إنجليزية رصينة توهم المراجعين بجودتها.
- توليد رسوم بيانية وجداول تبدو حقيقية بناءً على بيانات مضللة.
- بيع "مقاعد المؤلفين" للأطباء والطلاب الذين يحتاجون للنشر العلمي لترقية مسارهم المهني.
هذه الظاهرة، التي يتابعها موقع تيكبامين باهتمام، أدت إلى ازدهار ما يعرف بـ "مصانع الأوراق العلمية" (Paper Mills)، وهي شركات تعمل في السوق السوداء للأكاديميين لبيع الأبحاث الجاهزة وتزييف المسيرة العلمية.
لماذا يصعب كشف الأبحاث المزيفة حالياً؟
في الماضي، كانت الأبحاث المولدة آلياً تحتوي على أخطاء لغوية واضحة أو تناقضات فجة تجعل من السهل على المراجعين رفضها. أما اليوم، ومع تطور نماذج اللغة الكبيرة، أصبحت الأوراق الناتجة تبدو منطقية من الناحية اللغوية والهيكلية.
هذا التطور جعل مهمة "مراجعة الأقران" (Peer Review) مستحيلة تقريباً، حيث يجد المحررون أنفسهم أمام طوفان من الأوراق التي تتطلب تدقيقاً عميقاً في البيانات الأساسية، وهو أمر يتجاوز طاقة المراجعين المتطوعين الذين يعانون أصلاً من ضيق الوقت وكثرة الطلبات.
هل سينهار نظام مراجعة الأقران بسبب الذكاء الاصطناعي؟
حذر ديجين من أن النظام الأكاديمي وصل بالفعل إلى حدوده القصوى. إذا استمر الذكاء الاصطناعي في تسهيل الإنتاج الضخم للأوراق العلمية، فإن نظام النشر قد يصل إلى "نقطة الانهيار". المفارقة هنا هي أنه كلما تحسنت التكنولوجيا في محاكاة الأسلوب العلمي البشري، زاد خطر تدمير أحد أعمدة البحث العلمي الحديث.
في الختام، وبينما كان العالم يعلق آمالاً كبيرة على الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات الطبية وعلاج الأمراض المستعصية، يبدو أنه حالياً يهدد بتلويث المعرفة البشرية ببيانات وهمية. إن حماية نزاهة العلم تتطلب اليوم أدوات مضادة متطورة لكشف هذا التزييف الممنهج.